صديق الحسيني القنوجي البخاري
30
فتح البيان في مقاصد القرآن
سبحانه غير عسير إما لعدم علمهم بأنه من مواجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها وإما لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناع البعث . لِيُبَيِّنَ أي ليظهر لَهُمُ وهو غاية لما دل عليه بلى من البعث والضمير في لهم راجع إلى من يموت الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ أي الأمر الذي وقع الخلاف بينهم فيه وبيانه إذ ذاك يكون بما جاءتهم به الرسل ونزلت عليهم فيه كتب اللّه ، وقيل ليبين متعلق بقوله ولقد بعثنا وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه سبحانه وأنكروا البعث أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ في جدالهم وانكارهم البعث بقولهم لا يبعث اللّه من يموت . إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ جملة مستأنفة لبيان كيفية الابداء والإعادة مسوقة لهذا المقصد بعد بيان سهولة البعث عليه سبحانه ، قال الزجاج : أعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه فأخبر أنه متى أراد الشيء كان وهذا كقوله : فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ غافر : 68 ] قال ابن الأنباري : أوقع لفظ الشيء على المعلوم عند اللّه تعالى قبل الخلق لأنه بمنزلة ما قد وجد وشوهد ، قال الزجاج : إن معنى لشيء لأجل شيء فجعل اللام سببية وليس بواضح . وقيل هي لام التبليغ ، قاله أبو السعود أي أيّ شيء كان مما عز وهان كما في قولك قلت له قم فقام ، وهذا الكلام من باب التمثيل على معنى أنه لا يمتنع عليه شيء وأن وجوده عند إرادته كوجود المأمور به عند أمر الأمير المطاع إذا ورد على المأمور المطيع ، وليس هناك قول ولا مقول له ، ولا أمر ولا مأمور ، ولا كاف ولا نون حتى يقال إنه يلزم منه أحد محالين إما خطاب المعدوم أو تحصيل الحاصل . قلت : هكذا قال أكثر المفسرين وهو يخالف ظاهر النظم القرآني والحق ما دلت عليه الآية من القول وهو على حقيقته وأنه جرت العادة الإلهية وقد مضى تفسير ذلك في سورة البقرة مستوفى ، وفي الآية الكريمة من الفخامة والجزالة ما يحار فيه العقول والألباب . وَالَّذِينَ هاجَرُوا قد تقدم معنى الهجرة في سورة النساء وهي ترك الأهل والأوطان أي انتقلوا من مكة إلى المدينة لإقامة دين اللّه تعالى ومعنى فِي اللَّهِ في شأن اللّه سبحانه وفي رضاه ، وقيل في دين اللّه ، وقيل في بمعنى لام التعليل أي اللّه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا أي عذبوا وأهينوا ، وقد اختلف في سبب نزول الآية فقيل نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار واعترض بأن السورة مكيّة وذلك يخالف قوله : وَالَّذِينَ هاجَرُوا وأجيب بأنه يمكن أن تكون هذه الآية من جملة الآيات المدنية في هذه السورة كما قدمنا في عنوانها . وقيل نزلت في أبي جندل بن سهيل ، وقيل نزلت في أصحاب محمد صلى اللّه